مجموعة مؤلفين
102
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
أن سيرى والحقي بهم ، وستجدينهم يستظلون بشجر الأيك ، فبلغيهم سلام محزون أشجاه فراقهم » . هذا هو المعنى الغزلى المباشر للقصيدة ، وهو معنى مستقيم ، لكنه قد يصرف على المعنى الصوفي الباطن ، فتكون الحقائق الإلهية هي التي بانت فبان من الصوفي صبره وعزاؤه ، ولكن تلك الحقائق وإن تكن قد فارقته فاللّه سبحانه في سويداء قلبه لم يبرحه ، وقد سأل العارفين - وهم الشيوخ المتقدمون - عن ركب تلك المناظر الإلهية أين ذهب ؟ فأجابوه بأنها لجأت إلى قلوب غير قلبه ، إلى قلوب ظهرت فيها أنفاس الشوق والتوقان ، فبعث صاحبنا من عنده نفسا شوقيا من أنفاسه ليلحق بها ويردها إليه . وواضح أن المعنى الثاني ليس في استقامة المعنى الأول . ( ب ) وفي القصيدة الآتية - وعنوانها « تناوحت الأرواح » - يغلب المعنى الصوفي على المعنى الظاهر ، فهي تقول : إن حمامات الأراكة والبان ( التي هي هنا رمز واردات التقديس ) تنوح وتبكى فتثير في الصوفي الشاعر صباباته الخفية وأحزانه المكنونة ، فيظل يطارحها عند الأصيل وبالضحى شوقا بشوق ، وهيمانا بهيمان ، ويردد الشاعر ما يخرج من تلك الحمامات النائحة من حنين وأنين ترديد الصدى ؛ حتى كان التقابل بين نوحه ونوحها كأنما هو شجرة غصونها من لهب ، تميل بها الريح نحوه فتفنيه ؛ على أن هذا اللقاء بينهما ليس موصولا ، بل يجئ على لحظات متقطعة ، وحتى في هذه اللحظات لا يكون اللقاء مباشرا ، بل يكون بينهما حجاب ، فالحمامات النائحة تطوف به كتطواف الرسول حول الكعبة ، وتلثم أركانه وهيكله ، دون أن يكون لثمها هذا مقصودا لذاته ، بل المقصود به ما وراء ذلك الهيكل وتلك الأركان الظاهرة ، ومع ذلك فمن تلك الواردات ما ينفذ إلى القلب متسترا ، فتأتي منه اللمحات من وراء ستره ، كأنما هي الظبي المبرقع يشير من خلف حجابه بأطراف الأنامل أو بالأجفان ؛ وعند ذاك تكون تلك المتحجبات كامنة بين الترائب والحشا ؛